محمود المعتصم
Zalam-Blog.com
(١) نظرية التحديث: أو كيف تجرع شعبك غصص السعادة من أعلى
كان ليكون مسليا، ان يسقط حكم ابي احمد قبل ان تسقط الدولة السودانية، التي تآمر عليها بغير سبب مقنع، وبلؤم وضيع قياسا بنوع الجهة الاجرامية التي قرر التحالف معها. كان ليكون ذلك مسليا، لولا انه يمر، غالبا، عبر اجساد ودماء اثيوبية زكية لا نقبل ان يجر فيها الشوك. ولا حول ولا قوة الا بالله.
عموما من المفيد لنا كسودانيين فهم الحالة الاثيوبية و التعلم منها.
دعنا اولا نشرح نظرية التحديث، ثم نر الى ما جرت اثيوبيا:
تقول نظرية التحديث، في احدى نسخها على الاقل، ان على دول ما بعد الاستعمار، للدخول في الحداثة التنموية (ونفرق بينها وبين الحداثة الثقافية او التاريخية، بينما لا يفرق اغلب انصار نظرية التحديث، ربما، بين المصطلحين)، ان على الدول ان تمر بمراحل متعددة حتى تصل لمرحلة الاستقرار عبر التنمية في النهاية. وعبر التنمية أو بعدها تصل للديمقراطية: الجائزة أو "الميس".
ولفهم ضرورة المراحل التحديثية، يجب النظر لتحديات التحديث المختلفة. واولها في حالة ما بعد الاستعمار هو غياب جهاز الدولة القادر على حمل اعباء المشروع الوطني التنموي State Capacity. وذلك غالبا لضعف التوافق الوطني في المجتمع الخارج حديثا من الاستعمار وسيادة النعرات الاثنية والمناطقية، وربما وجود حركات دينية ضد او غير حديثة، أو ضعف التدريب البيروقراطي الخ. كذلك هنالك مشكلة الفقر وضعف امكانيات المجتمع المدني. غياب المؤسسات ذات الخبرة ان كان في الدولة او المجتمع مثل مراكز الدراسات، المؤسسات الاكاديمية، مؤسسات الخلق الفني او الثقافي، المؤسسات المالية الخ.
تتعقد مهمة التحديث اذن في غياب فسيفساء الدولة القادرة والمجتمع المستعد على حمل اعباءها. لذلك تطلب نظرية التحديث، في احدى صورها على الاقل، ان تقوم نخبة صغيرة متنفذة، غالبا على رأس جيش مهني واع بدوره، بقيادة التحديث ووضع ركائزه وان بغير شرعية ديمقراطية في البداية.
لهذا السبب تحالفت النخبة النيو ليبرالية الامريكية،منذ حقب الخمسينات والى وقت قريب، او ما تزال، مع طغم عسكرية موغلة في قمع شعوبها بحجة ان تلك الطغم هي، وفي نفس الوقت، سبيل تلك الشعوب الى التحديث، تقوم باكثر مراحله صعوبة ووجب ان تشكر على ذلك وان تدعم. دعمت امريكا نظام سوهارتو العسكري في اندونيسيا، والنظام الشمولي العسكري في البرازيل وغيره تحت مظلة هذا التحليل او القناعة.
يمثل ابي احمد احد الاشكال المكررة لهذه العملية في منطقتنا. فهو ينتمي لمدرسة في عملية صناعة الامة، ميكانيكية، وتعتقد ان حلحلة مشاكل الامة، مهما كانت معقدة، هي نتيجة لعملية التنمية وعبرها. وليست شرطا للتنمية.
فاذا كان المجتمع الاثيوبي نتاج لتاريخ طويل من التكوين الاثني العرقي والثقافي، فلحلحة هذه الامور عند ابي احمد اسم: الازدهار (إسم حزبه). ان يهضم هذا التاريخ داخل عملية التنمية، او ينسى ربما، فيخرج على الجانب الاخر انسان أثيوبي متخيل، شفي، بطريقة ما، من تاريخه.
تذهب نظرية التحديث لهذا النوع من التنمية عبر المسح: اذا كنت ممن استبد بك نوع او اخر من الهوياتية او النعرة (كما يقولون) القبلية او اللغة او غيرها مما يجعلك مواطننا معكننا، او متعكننا، فان على الجيش القومي المهني ان يحيد هذه المشاكل تحت مظلة سلطة تأمر ولا تتفاوض. تلقي بقميصها عليك فترتد بصيرا.
(٢) اثيوبيا واحدة، ام اثيوبيات؟
لفهم بلاهة نظرية التحديث وجب معرفة التاريخ. طاقة التاريخ على الفعل في الحاضر وتكوين الإنسان كحقيقة. وبالتالي الوصول الى فهم اعمق (وأكثر عملية) لعملية الحداثة يتجاوز كرابيج الجيوش السلطوية الى رحابة العملية الاجتماعية التاريخية او ما يسمى عندنا في السودان بالثورة الاجتماعية… خيار الشعب.
لاثيوبيا تاريخ امبراطوري طويل. القديم فيه (منذ بداية الألفية الأولى وإلى نهايتها) مثير ومدهش ومتشابك مع تواريخ أغلب شعوب المنطقة من السودان و إلى اليمن أو الحجاز. كانت إثيوبيا إحدى أهم معاقل المسيحية في ألفيتها الأولى. كان لدولة أكسوم الأثيوبية، على سبيل المثال، رأي في قصة أصحاب الأخدود المعروفة قرآنيا، وأصحاب الأخدود هم عرب مسيحيون في نجران أو نحوها قهرهم ملك يهودي يمني حميري (من حِمْيَر) يدعى ذو النواس في القرن السادس الميلادي. حكى عنهم القرآن بحميمية مستحقة لأخوة كتابيين قهروا ظلما وقتل فيهم ذو النواس الراهبات حرقا في الأخاديد. مثل القرآن، أثارت قصة أصحاب الأخدود وقتها غضب الملك الأكسومي الأثيوبي كالب الذي أرسل جيشا كبيرا قضى على مملكة ذو النواس الذي انتهى به الحال منتحرا في مياه البحر الأحمر. أستمرت أكسوم كواحدة من أهم مراكز القوة في شرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية حتى سقوطها تدريجيا بنهاية الألفية على يد ملكة أسطورية يقال انها كانت يهودية (يشكك المؤرخون عموما في دقة قصة سقوط الامبراطورية على يد هذه المرأة، لكن حفظت الروايات الشفاهية الاسطورية هذه القصة العجيبة التي لا يتسع المجال لكل تفاصيلها هنا)، ملكة كانت تدعى غوديت أو يوديت هزمت الجيوش الامبراطورية ودمرت عاصمة أكسوم وقتها وقتلت كل العائلة الحاكمة ودمرت الكنائس. في بحثي مرة عن تفاصيل قصة "عجوبة الخربت سوبا" لم أجد أي تفاصيل للقصة ولي شك أن عجوبة هي نفسها غوديت كنسخة أسطورية سودانية والله أعلم.
عموما نهاية أكسوم كامبراطورية كانت مؤقتة بمعايير التاريخ الكلي، مثلما هي العادة (أنظر كيف عادت الأمراطورية الصينية بعد المئة عام من العار؟، وكذلك الحضارة الفارسية؟ أليس من الجدير فهم التاريخ الكلي والنظر مرة أخرى نحو سنار؟ … بالأمس مر اول الطيور فوقنا… رحم الله محمد عبد الحي أخر السناريين وأولهم). عادت أكسوم في القرن الثاني والثالث عشر لكن في شكل مملكة الحبشة تحت حكم السلالة الزاغوية أولا ثم عودة السلاسلة السليمانية (نسبة للملك أو النبي سليمان) للحكم عبر الامبراطور ياكونو أملاك الذي تدعي المدونة الملكية الاثيوبية "أسطورة النجاشيين" Kebra Nagast أنه ينتمي لسلالة منليك الأول أبن الملك سليمان من أمه بلقيس ملكة سبأ.
حكمت هذه السلالة السليمانية أثيوبيا من القرن الثالث عشر وألى العام ١٩٧٤م، خلال هذه الفترة توسعت الإمبراطورية الحبشية وتقلصت حسب الظروف الجيوسياسية حولها.
ما يمكن التركيز عليه في هذا التوسع والضمور هو حقيقة أن تاريخ أكسوم كمركز كان في منطقة شعب التيغري حيث هناك مدينة أكسوم وأدوليس غيرها. وذلك يفسر العلاقة القريبة بين لغة التيغري واللغة الجعزية (أو لغة الجييز Ge’ez) وهي اللغة الأثيوبية الكلاسيكية، التي انحدرت من أصل سامي يمني أساسا. وكانت اللغة الرسمية لأكسوم وما تزال اللغة الرسمية للكتابة الدينية الكنسية الأرثوذكسية. فللتغري الذين هم أقلية سكانية، مركزية مفهومة أذن، من الناحية السياسية والثقافية. وتفسر تلك المركزية الثقافية الأكسومية، قلة المسلمين أو انعدامهم تقريبا بين التغري.
رفقة التغري هنالك، كذلك، الأمهرا، كمركز ديموغرافي أخر للأمبراطورية الأثيوبية. ففي الألفية الثانية كان أغلب حكام السلالة السليمانية من الأمهرا. ولغة الأمهرا هي مزيج من الأصل السامي الجعزي (الجيزي) وكذلك اللغات الكوشية التي قدمت للأمبراطورية عبر الاحتكاك مع جيرانها في الغرب والجنوب. ويمثل المسلمون نسبة ١٠٪ فقط من الأمهرا.
وبخلاف التيغري والأمهرا، الساميون/الأكسوميون إن شئت، في الشمال. هنالك الأرومو وهم الإثنية الأكبر في أثيوبيا في الجنوب والوسط. وهم أقوام كوشيون أصلا بينهم نسبة غير قليلة من المسلمين تصل في بعض التقديرات ألى ٥٠٪.
في الشرق هنالك شعوب صومالية، وأفارية، وحرارية هي نتاج لتاريخ دخول الإسلام الكثيف في أثيوبيا حتى القرن السادس عشر. إلا أن نسبة هذه الشعوب لا تتجاوز مجتمعة ال١٠٪. وفي الجنوب هنالك أقيات نيلية من الدينكة وغيرهم.
تاريخ السلالة السليمانية هو أذن تاريخ من التوسع والانكماش نتيجة علاقات قوة مع مراكز الحضارة الحبشية الأكسومية وجيرانها. بما يتضمنه ذلك من أنواع العنف المادي والثقافي. ففي فترة انتشار الإسلام والفتوح في أثيوبيا أنتشرت ظاهرة الأسلمة الإجبارية، وفي فترات أخرى قام الملوك المسيحيون الأثيوبيون بالنشر الاجباري للمسيحية كما في فترة الملك يوحنا الرابع الذي منح مسلمي اثيوبيا فترة ستة شهور للتحول للمسيحية وإلا تعرضت أملاكهم للمصادرة.
العلائق، أو الصراعات، الإثنية الأثيوبية شكلت، بعيدا عن الدين حتى، اهم محطات تاريخ السلالة السليمانية في الألفية الثانية. ففي القرون السادي عشر وحتى الثامن عشر، مثل أنتشار الأورومو شمالا أحد أهم محطات تكون الأمة الأثيوبية خارج أطارها الاكسومي الكلاسيكي. التوسع الأورومي بدأ في القرنين السادس والسابع عشر كحالة توسع لقبائل من الرعاة الرحل. لكنه ما لبث لأن تحول لصراع شبه منظم مع الدولة الأمبراطورية أنتهى لتحالفات مختلفة معهم، ومعارك ضدهم، حتى وصل الامر لتزوج الملك الحبشي أياسو الثاني (لقب ب: الملك الذي يسجد له الكون) من أمرأة من الأورومو وتنصيب أبنها الملك ايواش الأول حاكما على الإمبراطورية. إلا أن زيادة نفوذ الارومو أبان تلك الفترة حرك المشاعر المسيحية الكلاسيكية التيغرانية وأدى لأنقلاب ضد الملك أنهى حكمه وأدخل أثيوبيا في فترة عصيبة عرفت في التاريخ الإثيوبي بفترة الأمراء (أو أمراء الحرب) بين القرنين الثامن والتاسع عشر.
حروب الأمبراطورية ضد التوسع الأورومي كانت، للأسف، غاية في الدموية والعنف. على سبيل المثال كان من الشائع أن يخصى الجندي الأسير قبل إرساله عائدا إلى أهله كعلامة للقهر. وفي النهاية، عبر سياقات عنف مطلق، تمكنت الأورومو وهي أمة من الرعاة المحاربين من فرض مكان لها في النسيج الأثيوبي الإمبراطوري. ربما حتى أسقطته.
٣. أثيوبيا الحديثة: ثيودور الثاني، يوحنا الرابع، منليك الثاني … والمهدية
أنهى الأمبراطور ثيودور الثاني فترة حكم الأمراء عبر توحيد عنيف لأثيوبيا. كان أهم محطات هذا التوحيد هو ضم إقليم شيوا (في وسط أثيوبيا وعاصمته أديس أبابا الحالية). ومرت دراما أستعادة التكوين الإمبراطوري بدراما أخرى شخصية بين ثيودور الثاني ومينليك الثاني الإمبراطور المستقبلي المعروف هازم الطليان في عدوة. فمنليك هو أبن حاكم أقليم شيوا الذي قتله ثيودور قبل أن يأسر منليك اليافع ويتبناه كإبن بمعنى من المعاني. وتربى منليك في حضن الأمبراطور ثيودور وتعلم الدين الأورثوذكسي والفروسية وعلوم الحرب في البلاط الملكي.
مات ثيودور الثاني منتحرا في عام ١٨٦٨م بعد هزيمته على يد الإنجليز في معركة مجدلة. وكان ثيودور قد تورط في صراع غير متكافيء مع الأنجليز بسبب حماسه الزائد ربما بعد أحكام سيطرته على أثيوبيا، حيث كان بعث برسالة للملكة البريطانية يطلب التحالف معها فتجاهلته فقام باعتقال دبلوماسيين ومبشرين بريطانيين. مما حر عليه حملة انجليزية مركزة سريعة اقتحمت عاصمته. فانتحر قبل أن يلقي الإنجليز القبض عليه.
كان منليك في تلك الفترة قد وصل بعد سلسلة من الأحداث الدرامية لحكم منطقة شيوا من جديد. وبدأ في السعي نحو حكم الإمبراطورية بأكملها إلا أن مساعيه أصدمت بالمهارة العسكرية لمنافس آخر هو التيغراني والمنتمي كذلك للسلالة السليمانية كاسا ميرشا أو الأمبراطور يوحنا الرابع. بعد عدة معارك مع نبلاء منافسين أخرين وحد يوحنا الرابع كل الأمبراطورية ما عدا شيوا تحت أمرته. وبعد مناوشات وبعض بوادر صراع خضع منليك لسلطة يوحنا عبر اتفاقية وادارا. أصبح يوحنا الرابع بذلك الأمبراطور التيغراني الوحيد في الألفية الثانية، أما البقية فجميعهم من الأمهرا. وتوسعت الإمبراطورية في فترة يوحنا توسعا كبيرا جنوبا وشرقا (بما يتضمنه ذلك من عنف كبير جدا ضد الأورومو والصوماليين).
دولة يوحنا كانت مبتلاة بصراع أقليمي رباعي دائر بين مصر العثمانية/الأنجليزية، أيطاليا، أثيوبيا، والسودان أبان فترة صعود المهدية. وكان يوحنا يدير هذه الجبهات عندما جاءته أخبار دخول قوات المهدية لغوندار (عاصمة الإمبراطورية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر) ومزاعم إحراقها للكنائس، فانطلق نحو الشرق لمواجهة الخطر الصاعد، وتواجه مع قوات المهدية بقيادة الزاكي طمبل في القلابات، وكاد أن يهزمهم. إلا أنه، لبعض غرور مستحق ربما، تقدم للصفوف الأمامية ليتفقد انتصاره فأصابته رصاصتين أبلته بجراح خطيرة ثم وافته المنية بعدها بقليل. وألقت قوات المهدية القبض على الفرقة الصغيرة التي كانت تنقل جثته فعادت بها إلى أمدرمان حيث يقال أن رأسه علق في حربة وطوف به في المدينة.
ومع رفض عنف التشهير بجسد الميت، بالطبع، إلا أنه لا يمكن ألا أن يلاحظ المرء نوع العدالة الرمزية في موت يوحنا الرابع، وهو مجبر العديد من المسلمين الأثيوبيون، وهم كثر، (وكذلك اليهود والوثنيين)، على تغيير دينهم حسب مرسومه في عام ١٨٧٨م؛ في موته، بالصدفة ربما، عبر جيش مسلمين صاعد ممن كان يوحنا يستخف بهم ويبغضهم.
وصى يوحنا قبل موته بأن يتولى أبنه الحكم، لكن تلك الرغبة الأخيرة لم تكن قابلة للتنفيذ بوجود ملك أقليم شيوا بالغ القوة منليك الثاني. الذي أعلن نفسه أمبراطورا وتوحدت مراكز النفوذ حوله بلا كثير مقاومة.
أنهمك منليك الثاني خلال فترة حكمه في أمرين. الأول هو توسيع الأمبراطورية فضم أقاليم عدة حنوبا وشرقا أهمها أقليم أوغادين في ١٨٩١م. والثاني هو ترتيب أمر الأمبراطورية مع الأيطاليين في الشمال.
كان الإيطاليون قد سيطروا على مناطق أثيوبية على سهل البحر الأحمر يسكنها البجا والتيغر (وهم ساميون كذلك لكن يختلفون عن شعب التيغري خاصة في أنهم مسلمون). تلك المنطقة كان تسمى تاريخيا من قبل اليونانيين أريتريا وتعني أرض البحر الأحمر. حاول منليك عقد اتفاقيات مع الإيطاليين يقر لهم فيها بحكم اريتريا لكن الإيطاليين وأطماعهم نكصوا العهود وتلاعبوا بها فانتهى الأمر إلى موقعة عدوة بينهم والأثيوبيين في مارس ١٨٩٦م.
مثلت عدوة لحظة فارقة في التاريخ الأثيوبي والأفريقي عموما، ففيها دان إنتصار بالغ الندرة لجيش أفريقي على جيش أوروبي خلال الفترة الإستعمارية. وبسبب عدوة ظلت أثيوبيا الدولة الأفريقية الوحيدة التي لم يحدث لها أحتلال مستقر كولينيالي. وطدت عدوة حكم الأمبراطور منليك الثاني ومدت ربما في عمر الأمبراطورية لأكثر من سبعين عاما ستأتي.
على صعيد آخر، فإن عدوة تثبت بلاهة نظرة المتعلمين السودانيين لمروي. فمروي في مخيلة المتعلم الغردوني هي تحصيل حاصل لفرق مطلق بين دراويش وقوة عظمى. بينما هي في الحقيقة معركة أقرب ما تكون لعدوة (حتى زمنيا، بينهما ثلاث اعوام) في سعي المهدية الجاد والمحسوب جيدا لصد الجيش الغازي، اعتمادا على أفضلية الأرض الاستراتيجية في جسر هوة فرق القوة التقنية. حول المتعلمون السودانيون (وهم نتاج تدريب استعماري مصمم لخلق غباء هيكلي بأسم التعليم) مروي للحظة صدمة تقابلها حينا بالبكائية وحينا بالخضوع والسخرية. بينما هي في الحقيقة يوم من أيام التاريخ وجب النظر إليه وفيه بعقل صاف وإستخلاص الدروس منه بلا جزع. ففي منظور التاريخ الكلي فيوم لك (عدوة) ويوم عليك (مروي)، بلا عبط.
٤. صناعة الدولة القومية: من الامبراطور هايلي سيلاسي نحو النكرة هايلي مريم
رغم أن فترة حكم منليك الثاني كانت الأكثر استقرارا وقوة في تاريخ إثيوبيا الحديث، وذلك كنتيجة لتوحد أثيوبيا ضد الخطر الاستعماري ورمزية أنتصار عدوة. إلا أن دراما أنتقال السلطة من منليك ألى الأمبراطور الأخير هايلي سيلاسي تكشف نوع التعقيد الديني والعرقي لنظام الحكم الاثيوبي الدقيق.
تبدأ القصة بالقائد الأورومي محمد علي. وهو أبن الأمام علي أبا بولا زعيم منطقة ولّو. في العام ١٨٧٨م جمع الأمبراطور يوحنا الرابع مجلسا دينيا في بورو ميدا في منطقة ولّو وأعلن فيه أمرا للمسلمين (وغيرهم من الأديان) بالتحول للمسيحية فورا وإلا انتزعت الإمبراطورية أملاكهم. وبدأ يوحنا بنبلاء ولّو ومنهم قائدهم وقتها محمد علي. وقبل محمد علي التحول للمسيحية وعمده يوحنا بنفسه في مناسبة مشهودة. وأصبح يدعى راس (وتعني القائد أو الزعيم) ميكائيل. أنتقل كثير من النبلاء من الاسلام إلى المسيحية كذلك، لكن على مستوى العامة حدثت ثورة عارمة وأجبر راس ميكائيل على نقل عاصمته ألى مدينة جديدة بعد هزيمة جيشه أمام شعبه. وأشرف يوحنا بنفسه على عدد من الحملات التأديبية للمسلمين قضت على ثورتهم.
أنتقال ميكائيل إلى المسيحية حوله لأحد أهم قادة الإمبراطورية وجعله مقربا من يوحنا أولا ثم من بعده منليك الثاني. وكان راس ميكائيل أحد أهم جنرالات معركة عدوة. ونصب في فترة ما ملكا (أو نيغوس بلغة الأثيوبيين وهو لقب يطلق على حاكم المقاطعة) على ولّو. نتيجة لقرب ميكائيل من منليك حدث أن زوجه الأمبراطور من أحدى بناته. وأنجبت أبنة الملك منليك من ميكائيل أبنه أياسو.
قبل وفاة منليك بفترة قصيرة، ونسبة لقلة الخيارات أمامه أضطر منليك لتعيين أياسو أبن ميكائيل كخليفة له. ومع غياب ذهن منليك نتيجة لجلطة أصابته أصبح أياسو ولي العهد تحت رقابة أحد الوزراء حتى يصل لسن الرشد. الفترة بين مرض منليك وموته كانت فترة صراع محموم بين أياسو وأبيه راس ميكائيل من جهة وبين الأمبراطورة تايتو (زوجة منليك) وبعض الوزراء من جهة أخرى. ويبدو أن أياسو لم يكن يفهم فداحة أصله الأورومي المسلم في نظر نظام الأمبراطورية، فلم يكتف بالتصرف بطيش فقط بل وكذلك قرب منه بعض المسلمين وقام برحلات ألى أوغادين وهرر والصومال حتى سارت شائعات عدة بإسلامه، ربما كانت من إنتاج قوى الاستعمار النشطة وقتها في الصومال وأريتريا، إلا أنها أصبحت بسرعة نقطة الحسم في مسألة خلعه من السلطة. بعد أن خلع البلاط أياسو من السلطة (بعد حكمه ثلاث سنين فقط بين ١٩١٣-١٩١٦م) عبر إعلانات سياسية ودينية عبر البطريركية الكنسية، قاوم أياسو وأبوه ميكائيل ذلك الحكم لكنهما تعرضا لهزائم متعددة وأنتهى الأمر بأياسو أسيرا قبل أن يكون قد نصب ملكا بصورة رسمية.
في الأثناء أنتقل الحكم ألى خالته زويديتو أبنة منليك التي حكمت (رمزيا) حتى وفاتها. بينما أختار الوزراء راس تافاري، وهو النبيل من السلالة السليمانية والسياسي الشاب بارع الذكاء والمقرب من قيادات الجيش، الذي أصبح بعد وفاة زويديتو عام ١٩٣٠ أمبراطورا لأثيوبيا بلقب هايلي سيلاسي (وتعني المعزز بالثالوث).
حكم هايلي سلاسي أمتد بصورة غير رسمية أثناء فترة كونه وليا للعهد ثم بعدما أصبح أمبراطورا حتى العام ١٩٧٤م عندما أطاح بحكمه أنقلاب عسكري شيوعي بقيادة منغيستو هايلي مريم.
فترتا حكم سيلاسي ومريم كانتا نوعا من ممارسة بناء الدولة القومية الحديثة لكن على طرفي نقيض. وجهات متقابلان لعملة شمولية واحدة. (يمكن فهم فترتي نميري وعمر البشير في السودان بنفس الشكل، محاولتان متطابقتان ومتقابلتان في نفس الوقت، علمانية يسارية وإسلامية يمينية، كلاهما شمولي وبغيض بنفس القدر، ومن صنع نفس الطبقة في نهاية التحليل).
فترة حكم سيلاسي أنقطعت خلال فترة الإحتلال الإيطالي الفاشي لأثيوبيا بين عامي ١٩٣٥ ألى ١٩٤١م. وكان سيلاسي قد هرب مع أقتراب وصول الجيش الإيطالي الغازي ألى أديس أبابا وعاش في المنفى البريطاني حتى أخرج الإنجليز أيطاليا من اثيوبيا و استعادوا حكم الأمبراطورية.
مع ذلك خلال فترتي حكمه أظهر سيلاسي وعيا عاما بخطر الاستعمار وضرورة التحديث كوقاية من القابلية للاستعمار. فبدأ في عام ١٩٣١ بإجازة أول دستور حديث لأثيوبيا على غرار دستور الإمبراطورية اليابانية المقر في ١٨٨٩م والذي كان أحد أعمدة التحديث في اليابان الإمبراطورية. وكان الدستور الإثيوبي يبقي السلطة في داخل طبقة النبلاء لكن مع بعض الضوابط القانونية. فصل سيلاسي الكنيسة الأثيوبية من تبعيتها الرمزية للكنيسة القبطية المصرية. وحاول في أكثر من مرة فرض نظام ضريبي عارضته طبقة النبلاء بشدة لكن نجح في فرض بعض الضرائب على الكنيسة الاثيوبية. وسعى سيلاسي للحد من نظام الاقطاع لكن بصورة غير حاسمة بسبب ضغط الطبقات النبيلة. وبعد الحرب قام باعادة تجديد الدستور عام ١٩٥٥ وهذه المرة باضافة قسم برلماني منتخب في النظام الدستوري.
بعد الحرب العالمية الثانية حصلت أثيوبيا المتحالفة مع الحلفاء، وأمريكا خصوصا، على عدد من الجوائز المجانية من الأمم المتحدة. أولا قرر مجلس الامن تبعية اريتريا لأثيوبيا في العام ١٩٥٠ وكذلك قررت تبعية اقليم اوغادين المتنازع عليه مع الصومال لأثيوبيا. وضعية سيلاسي الامبراطورية كانت شبيهة بكل أسلافه: تسعى الامبراطورية دائما للتوسع وضم ما تعتقد أنه نظاق حكمها الشرعي لآلاف السنين. لم يسع سيلاسي لضم أريتريا فقط بل وكذلك نكص عن عهد قديم للامبراطور منليك الثاني لشعب هرر بالحكم الذاتي وقمع ثورتهم ضده.
على الصعيد الآخر كانت لأريتريا قيمة مميزة عند الامبراطور أذ هي منفذه الوحيد للبحر. فلم تثنه الرغبة الواضحة المجمع عليها اريتريا على الاستقلال، ولا تمردهم عليه عام ١٩٦١، من أتباع سياسة صقورية تجاه المسألة الاريترية بلا أي مساومات أو تصورات للحكم الذاتي.
على الصعيد الداخلي تعقد حكم سيلاسي نتيجة وقوف ثلاث قوى متعارضة تقاومه بأجندتها المختلفة. فمن جانب قاوم النبلاء وطبقة الأكليروس وملاك الأراضي جهوده لمحاربة الاقطاع وتحويل نظام الضرائب من ضرائب على المزارعين فقط ألى نظام ضرائب تصاعدي موجه نحو الأثرياء. ومن الجانب الأخر وجدت الطبقات الفقيرة أن حكم سيلاسي لا يوفر لها أي أفق تحرري أو تنموي. ومن الجانب الثالث فقد سيلاسي، وهو الذي أطلق ثورة التعليم الاثيوبية، طبقة الطلاب والأنتلجنسيا التي أصبحت بمرور الوقت أكثر راديكالية وأنتشرت بينها أفكار الشيوعية الرائجة وقتها بين الطبقات الطليعية. كل ذلك حول حكم سيلاسي لحكم أمني قابض بمرور الوقت. وحول كل محاولاته الإصلاحية لمحاولات متواضعة في أفضل الأحوال ونفاقية في أسوأها. ومع تجذر نيران الحرب الأهلية مع الثوار الاريتريين أصبحت إثيوبيا، يمكن القول، في صورة اي دولة أفريقية أخرى، تخنثر مشروعها الوطني وفشل.
في العام ١٩٧٢م حدثت مجاعة ضاربة في أقليمي ولّو الأمهري وأقليم التيغري. صور المجاعة القاسية وتضخم عام ١٩٧٤م كانتا القشة التي قصمت ظهر بعير الإمراطورية.
في فبراير ١٩٧٤م انطلقت إحتجاجات واسعة على الغلاء. تبعها تمرد عام بدأ بين صفوف الجيش المحارب في اقليم اريتريا ثم انتشر ليعم كل أثيوبيا. بحلول أبريل خرجت مظاهرات واسعة من قبل المسلمين في عموم أثيوبيا للاحتجاج على اضطهادهم المنهجي من قبل الامبراطورية. تطور تمرد الجيش تدريجيا ليصل مرحلة تكوين لجنة ال"درج" التي أطاحت بحكم سيلاسي وضربت عليه الاقامة الجبرية في قصره.
لكن ملابسات ما بعد الانقلاب توضح، ربما أكثر من غيرها، تجذر عقيدة الحكم الإمبراطوري في اثيوبيا. فرغم قيام الدرج بانقلاب على الامبراطور لم يقم بكل بساطة بسجنه أو قتله بسرعه وإعلان نظام حكم جديد. بل بدأ الجيش أولا بتعيين ابن سيلاسي "أمها" كأمبراطور صوري قبل أن يقوم تدريجيا بإعدام أعمدة العائلة المالكة ثم قتل سيلاسي نفسه وإزاحة ابنه عن الحكم الصوري معلنا انتهاء امبراطورية السلالة السليمانية التي حكمت (حسب زعمها) لأكثر من ألفي عام.
نهاية السلالة النبيلة الأمهرية جاءت على يد منغيستو هايلي مريم الصاعد للحكم عبر الدرج. ومنغيستو ذو أصل غير معروف وفي الأغلب ينتمي لمن يسميهم الامهرا في اثيوبيا بال"باريا" أي المنحدرين من العبيد السابقين. وهكذا تحدث الثورة الاثيوبية "الكرنفال" في لغة الفيلسوف الروسي باختين: في الكرنفال يكون السيد عبدا، والعبد سيدا… تلاعب جزل بكل الثوابت والهياكل وتكوين (أو تبعثر) شعري، درامي، أو كوميدي حتى، للواقع الجديد. (لا عجب أن أغلب النخبة السودانية تحب الكرنفالات والكرنفالية، والعبط، بلا حدود).
٥. منغيستو: العنف المؤسس، والسعادة من أعلى
يشرح وولتر بينجامين، الفيلسوف الألماني اليهودي في القرن العشرين، في ورقته "في نقد العنف" الفرق بين نوعين من العنف القانوني (يجب فهم الدولة الحديثة، ومن ثم القانون، كتكوينات عنيفة فلسفيا، فكل دولة تبدأ، كما يشرح بنجامين، بعد معاهدة سلام ما!). عنف القانون إذن هو إما عنف تأسيسي (خالق للقانون) أو عنف مؤسس (محافظ على القانون). في حالة الأخير فإن العنف المؤسس يظهر تحديدا في خرق المؤسسات المحافظة للقانون لذلك القانون. كأن يوقفك رجل الشرطة ثم يضربك لأنك نظرت له بصورة منافية لقواعد "أحترام القانون". رغم أن ذلك العنف نفسه غير قانوني، إلا أنه يشكل حجر الزاوية الذي يذكر المواطن، أو موضوع ذلك القانون، بطبقات العنف العبثي التي أنتجت الحالة القانونية.
على صعيد أخر فإن العنف المؤسس. الخالق للقانون. هو حالة مرسلة في الدموية والقهر حد السكر بالقوة. أذن هو تشكل في لحظة غياب كل شرعية. عنف خارج أي شرعية. وضد كل شرعية كذلك. فيبدو دائما كأنه حالة من حالات الجحيم للمتفرج بعين غير فلسفية أو غير تاريخانية. في وضعنا السوداني فإن عنف ما بعد أنقلاب هاشم العطا التصحيحي في ١٩٧١م يمثل لحظة عنف مؤسس. كانت دراما عنف نميري المؤسس مثالية لأنه أختلط فيها السكر بالعنف مع السكر بالخمور. يغطي كل سكر على الآخر.
القضاء على الإمبراطورية ووصول الدرج من ثم للسلطة كان كذلك واحدة من اللحظات الكلاسيكية للعنف المؤسس في تاريخ البشرية:
مع فراغ موقع السلطة والشرعية، تنافس عدد كبير من القوى الأجتماعية والعسكرية على السلطة كفاحا عبر العنف. فقمع الدرج أولا تشكيلات الطلاب الثورية المتكونة في ١٩٧٢م، ثم قمع القوى المحافظة داخل الجيش وأعدم الضباط المنتمين لها. تكونت في مقابل عنف الدرج حالة مقاومة مسلحة من قبل تنظيمات ماركسية أخرى عدة، كان أخطرها على الدرج حزب الشعب الثوري واستعماله لوسيلة الاغتيالات في مواجهة قيادات الدرج. محاولة أغتيال مانغيستو في ١٩٧٦ أطلقت عامين من القمع الوحشي في وجه كل معارضي الدرج وخاصة التنظيمات الماركسية، فيما عرف بفترة الإرهاب الأحمر بيم عامي ١٩٧٦-١٩٧٨، تقول بعض التقديرات أن عدد ضحايا تلك الفترة قارب المليون نسمة.
مع استفحال العنف في عام ١٩٧٧م وصل الأمر بالدرج لتسليح عدد كبير من الشباب وأمرهم بتفتيش جميع البيوت في أديس أبابا بيتا بيتا واعتقال كل العناصر المعادية للنظام. وأعدامها ميدانيا غالبا، أختفى آلاف الناس في تلك الأيام. (ربما لم يكن القذافي يهذي عندما كان يصف تحرير ليبيا دارا دارا).
خلال عملية حسم الصراع مع الأجنحة اليسارية الأخرى، قام مانغيستو بحسم صراع أخر داخل لجنة الدرج نفسها. ففي العام ١٩٧٧ قتل منغيستو وحلفاؤه ٥٨ قائدا من قيادات الدرج خلال أجتماع رسمي.
وكما هو الحال في وضعية العنف المؤسس. ينتقل العنف أولا من النطاق الأيديولوجي ألى النطاق الإثني بعد الإنتهاء من الأولى. ففي حال لم يستتب أمر الحكم، فإن الشعب المهزوم في قواه المنظمة الحية، ينتقل للدفاع عن نفسه عبر قواه القديمة التاريخية أو القبيلة. محاولة إخضاع مانغيستو لأثيوبيا عبر العنف تحولت تدريجا لمواجهة مفتوحة مستمرة في اريتريا أولا، ثم مع جبهة تحرير تغري، ثم مع جبهة تحرير غرب الصومال (الجبهة التي تحولت سريعا لحرب مع الصومال في حرب اوغادين المعروفة عامي ١٩٧٧-١٩٧٨م). ثم أخيرا مع جبهة تحرير أورومو التي استغلت الحرب مع الصومال ووسعت نطاق عملها.
على صعيد أخر فإن مشروع مانغيستو لتجريع الشعب عضص السعادة الاشتراكية من أعلى سار، بالتزامن مع العنف المؤسس، على أكمل وجه:
قبل وصول الدرج للسلطة كان أمتلاك الأرض هو ميزة تتقاسمها طبقة النبلاء، والأكليروس، والأسرة الحاكمة، والدولة. بما يترك ٧٪ فقط من الأرض في ملكية بقية الشعب بأكمله. وكما هو متوقع قامت سياسات حكومة الدرج الأقتصادية لتغيير هذه الحقيقة. لكنها أنتهت كأي سياسات بيروقراطية دولتية إلى عكس هدفها الأول:
إنتشرت في ظل حكومة الدرج مجاعات عدة. وسادت حالة من الاستعمال غير الفعال للأرض وتركز للعمالة في المناطق الأكثر جفافا. مما دفع الدرج لإتباع سياسات تهجير أجباري متكررة للمزارعين بغرض زيادة إنتاجهم. أي تحولت الدولة للإقطاعي الجديد. لكن هذه المرة بقدرات قمعية أكبر من الإقطاعي القديم. ولغى الدرج الكنيسة الأثيوبية لتحرير الناس منها عبر أيديولوجيا ماركسية-لينينية (جزافية وليست لا ماركسية ولا لينينية حقيقية) تعتقد أنها يمكن أن تلغي الرب نفسه عبر جهاز الدولة. الآن أنت أمام حالة إقطاع بيروقراطي جديد، وتهجير من أرضك، وبلا مساحة سلوان ديني أو أمل في حياة أخرى.
مع مرور الوقت تحول نظام مانغيستو من العداء الجذري لنبلاء الأمهرة (الذي قضى عليهم وحارب طبقتهم المتعلمة اليسارية من ثم) إلى الأعتماد العام على قومية الأمهرا في أدارة جهاز الدولة والجيش. كذلك بتحوله لنظام مركزي قومي أقترب مانغيستو من تصور الأمهرا التقليدي للحكم في اثيوبيا. إنتهى نظام مانغيستو إلى محاولة نشر لغة الأمهرا بصفتها اللغة الرسمية وقمع القوميات الأخرى بحجة تقوية النزعة القومية في الدولة. كذلك استعملت سياسات تهجير المزارعين لتوطين الأمهرة في مناطق الأورومو. كل ذلك جعل حرب القوى القومية الأخرى ضد النظام تتحول بمرور الوقت لمواجهة أثنية ضمنيا ضد هيمنة الأمهرا على الدولة.
بحلول العام ١٩٨٨ كان نظام الدرج قد أصبح غاية في الضعف للأسباب الداخلية أعلاه ولسبب ضعف كفيله الاتحاد السوفيتي على المسرح العالمي. كانت جبهة تحرير اريتريا قد سيطرت على أغلب الأقليم الشمالي على البحر الأحمر، وكونت مع جبهة تحرير تيغري و حزب الشعب الأثيوبي الديمقراطي (من الأمهرا)، وبقية الجبهات المناطقية في أورومو وإقليم الصومال وغيرها، جبهة واحدة تحت مظلة "جبهة الشعوب الإثيوبية الثورية الديمقراطية". بحلول عام ١٩٩١ فر مانغيستو من أثيوبيا وسقط نظام الدرج لتبدأ الفترة التي يمكن تسميتها فترة الاستقرار المؤقت (مثل كل العالم) في التسعينات.
٦. نظام ما بعد الحرب: الدولة الزعازع، أم الدولة الوتد؟
بعد انتصار تحالف القوى القومية ضد الدرج، بدأت مرحلة الدولة الفيدرالية الحالية. الدولة التي تضمنت عددا من التناقضات الناتجة من التاريخ الإمبراطوري والقومي المذكور أعلاه:
أ. التناقض بين الحقوق القومية وسلطة الدولة المركزية. أو ما عرف بالصراع بين القوميين (المؤيدين لسلطة الدولة المركزية تحت مظلة القومية الإثيوبية العامة) ضد الفيدراليين (المؤيدين لحقوق كل إقليم على حدة، والمتشككين في مآرب وأطماع كل قومية في القومية الأخرى).
ب. التناقض بين الشمال والجنوب بصورة عامة: يعيش "الحبش" التاريخيون بصورة عامة في الشمال، وهم الأمهرا الكثيفون ديمغرافيا (حوالي ٢٥٪ من السكان) والتيغراي الأقلية عددا لكن ذووا القوة الثقافية والتنظيمية الكبيرة كورثة للإرث الأكسومي. في الجنوب هنالك الأورومو وهم كوشيون توسعوا شمالا في حقب سابقة ويمثلون الأغلبية السكانية في أثيوبيا وفيهم مسلمون كثر. وفي الشرق هنالك القوميات الصومالية والعفارية والهررية.
ج. التناقض الاقتصادي في مركز الدولة: قبل وخلال توسعة الإمبراطور يوحنا الرابع، في نهاية القرن التاسع عشر، للدولة الإثيوبية تحت حكم الأمهرا والتيغراي، بضم أقاليم الأورومو وإقليم أوغادين (ذو التكوين السكاني الصومالي)، حدث كذلك أن أنتقل الكثير من الأمهرا جنوبا نحو المركز الاقتصادي والصناعي الحالي في أديس أبابا. المنطقة التي كانت أصلا مسكونة من قبل الأورومو بصورة كبيرة. الأمر الذي أدى لتحول في ملكية الأرض المهمة أقتصاديا من الأورومو ألى الأمهرا بصورة يرى الأورومو أنها أستعمارية استيطانية.
د. التناقض الديني: كذلك منذ فترة حكم الأمبراطور يوحنا الرابع، المانع للأسلام بالقوة، حدث ترتيب ديني اثيوبي يقوم على شعور عام للمسلمين بالقمع والتهميش (وهم ثلث السكان). في نفس الوقت تمثل الكنيسة الأورثوذكسية (كنيسة التواحيدو بلغة الجييز أو التوحيدية بالعربية) سلطة روحية مهمة للأثيوبيين المسيحيين وهم أصحاب السلطة تاريخيا.
في ظل هذه التعقيدات لم يدم تحالف الأخوة الأعداء طويلا بعد هزيمة مانغيستو. فبين العامين ١٩٩١ و ١٩٩٥ لحظة إقرار الدستور الفيدرالي كانت كل من جبهة تحرير أريتريا (أنفصلت بالأقليم بعد أستفتاء شعبي في ١٩٩٣) وجبهة تحرير أورومو وجبهة غرب الصومال، قد انفصلت عن التحالف الحاكم وتركته. الأمر الذي حوله عمليا لتحالف تديره جبهة تحرير تيغري شبه منفردة. وقوطعت الانتخابات البرلمانية بصورة واسعة من ثم، لكنها مع ذلك أدت إلى أنتخاب مجلس برلماني وإقرار الدستور.
بدأت من ثم فترة حكم ميليس زيناوي (من جبهة تحرير تيغراي) حتى وفاته في ٢٠١٢م. عقيدة ميليس في الحكم كانت تقف على فكرة الفيدرالية الإثنية (والتي كانت أقرت في دستور ١٩٩٥ أن من حق أن شعب من الشعوب الأثيوبية حكم نفسه ومن حق كل أقليم الأنفصال عبر حق تقرير المصير إن شاء في أي وقت). وكذلك فكرة أن المشاكل والصراعات الإثنية تحل عبر التنمية. على الجانب الآخر، حكم ميليس عبر نفوذ جبهته أو حزبه (جبهة تحرير تيغراي) وبديمقراطية مشكوك في نزاهتها على أقل تقدير: الخلاصة هي أن ميليس ظن أنه هو المستبد العادل الذي يحلم به الجميع.
مستفيدا من إستقرار عالمي في التسعينات تحت مظلة الهيمنة الأمريكية وتطور دور الأمم المتحدة ومؤسساتها (بتنا الآن نعرف أنه كان مؤقتا)، وكذلك مستفيدا من توفر القروض الصينية، وعبر تنفيذ جيد لنموذج الدولة التنموية الأسيوي (تايوان - الصين - كوريا الشمالية - ماليزيا ألخ)، نجح ميليس زيناوي فعلا في السير بصورة حثيثة في اتجاه التطوير الأقتصادي لأثيوبيا التي كان اقتصادها الأسرع نموا في أفريقيا خلال معظم فترة حكمه. على سبيل المثال كان الطيران الأثيوبي أكبر نموذج لقدرة والتزام الدولة الأثيوبية بنموذج الدولة التنموية الناجحة (أدير الطيران بصورة فعالة وطور قابلية للتوسع بدون تدخل مستمر من قبل الدولة).
لكن تناقض الدولة التنموية الرئيس هو أنه كلما أزداد النموذج نجاحا كلما زادت "قدرة الدولة" State Capacity. (يحب الشباب الأفريقيون، المتأثرون بلغة الاقتصاديين الغربيين، ببلاهة، هذه الكلمة)، وقدرة الدولة تشمل قدرتها على العنف والسيطرة. وفي هذا الأطار يتحول النموذج التنموي تدريجيا لنموذج في تجذير الصراعات القاعدية. نتيجة التوزيع غير المتوازن للثروة الجديدة أولا، ونتيجة قلق القوميات خارج نطاق السلطة من أزدياد قوة خصومها داخل الدولة الناجحة. وتبدأ الدولة القادرة في أرتكاب الأخطاء: على سبيل المثال منحت دولة زيناوي مساحات واسعة من الأرض لشركات أجنبية على حساب المزارعين المحليين مما كثف من شعور قديم عند الأورومو وغيرهم بمسألة فقدهم للأرض. وقدرة الدولة، بدون ديمقراطية، هي وصفة سريعة لتحقيق ظاهرة "صدأ الريف". الدولة القادرة، تخدم شعبها القريب منها في المدن بصورة حصرية، كما هو واضح من كل مشاريع التنمية الأفريقية العرجاء.
بوفاة ميليس زيناوي كان الوضع السياسي في أثيوبيا قد استقر على وضعية شائهة وإن على رأس دولة صاعدة اقتصاديا: حزب حاكم أوحد (جبهة الشعوب الأثيوبية الثورية الديمقراطية) تحت سيطرة أقلية التيغري عبر جبهة تحرير تيغري بصفتها الحزب الأقوى في التحالف، الذي تضمن أحزاب (حزب أورومو الديمقراطي، وهو حزب موالي للتيغري أغلبه من مسيحيي الأورومو)، (حزب أمهرا الديمقراطي) و(حزب جنوب اثيوبيا). ويفوز الحزب الحاكم في أنتخابات ٢٠١٥ بدون منافسة.
في هذه الأثناء أنفجرت بين العامين ٢٠١٤ و ٢٠١٦ أإحتجاجات واسعة جدا، في أقليم أورومو أولا نتيجة لمحاولة توسعة العاصمة أديس أبابا في الأقليم الأمر الذي أخاف الأورومو من مسألة سرقة أراضيهم، ومن ثم انتقلت الاحتجاجات إلى أقليم أمهرا وتوسعت. في كلا الحالتين قابلت الحكومة القومية الاحتجاجات بقمع شديد. الأمر الذي حولها تدريجيا لاتخاذ خيار العمل المسلح. فستجد أن حركة فانو الأمهرية، التي تقاتل اليوم ضد الحكومة المركزية، قد تشكلت في خلال تلك الفترة.
لعبد الله علي أبراهيم مقولة محورية، وجميلة، فيما يخص تفسير التاريخ السوداني الحديث، أو تاريخ كدح السودانيين في سبيل مشروعهم الوطني، يقول فيها أن الدولة، في سياقنا الحديث، هي مصدر "الزعازع"، بينما تعمل الثورة ك "وتد". وتعني هذه الفكرة أن محاولات انشاء الدول القابضة الناجزة فوق رؤوس الناس بلا ترتيب تعاقدي أجتماعي تخلق نظام الحكم المنتج لكل ما يفرق الناس ويلغي قدرتهم على التعايش ومن ثم خلق مشروع وطني مستقر. فأنتجت الدولة عندنا تمرد الجنوب، ثم حرب دارفور، ثم الدعم السريع ألخ. بل وبقمعها للعمل المدني الحديث (النقابات، اتحادات الطلاب، الأندية الأجتماعية، الأحزاب السياسية ألخ) خلقت الدولة مناخا تزدهر فيه التنظيمات الأثنية والقبلية والمناطقية وتحول السياسة من ثم لحالة صراع بقوة طرد مركزية جبارة وبلا أفق أو معنى كلي متجاوز. (لا أعتقد شخصيا أن في ذلك مشكلة في حد ذاته، فقد قام تحالف الدولة المهدية على ترتيبات قبلية مستقرة تحت ايديولوجيا الدولة القومية الجديدة، على سبيل المثال، أو تقوم بعض سياسة الولايات المتحدة على تفاهمات اثنية كذلك، الضار في المقابل هو الإثنية الفجة الناتجة من هدم كل منظومة سواها).
الجدير بالذكر أن انفراط عقد هدوء التسعينات وعودة السياسات الأثنية الأثيوبية للسطح من جديد، أضعف جانب التيغراي في الحزب الحاكم، ومنح السياسي الشاب أبي أحمد فرصته كأورومي للوصول لسدة الحكم.
٧. أبي أحمد: الانهيار عبر الإزدهار
بعد وفاة ميليس زيناوي في ٢٠١٢، انتقلت السلطة ألى نائبه هايلي مريم ديسالين الذي استمر في الحكم بعد انتخابات ٢٠١٥ ثم استقال من منصبه عام ٢٠١٨ كنتيجة للاضطرابات المناطقية الواسعة التي ضربت إثيوبيا. كان أبي أحمد أحد رموز تلك الإضطرابات إذ مثل أحد قيادات الأورومو المحتجين على مسألة توسعة العاصمة. كذلك عمل أبي أحمد على خلق تحالف أورومي-أمهري، خلال تلك الفترة، نجح عبره في تحجيم وضع التيغري في الحزب الحاكم. وسيكون واضحا هنا أن هذا التحالف (أورومي - أمهري) هو مما يعز في التاريخ الأثيوبي. على الصعيد الآخر يمكن فهم تحالف الأمهرا مع الأورومو على أنه ردة فعل على الهيمنة الطويلة للتيغري على السلطة في إثيوبيا.
تمكن أبي أحمد من الفوز بانتخابات رئاسة الحزب الحاكم رغم معارضة عناصر التيغري له. وأعلن بالتالي رئيسا للوزراء بدل ديسالين المستقيل.
فترة أبي أحمد الأولى كانت عامرة بتغيرات تكتيكية بغرض خلق أجماع حوله داخليا وخارجيا. فقام بتوسيع الحريات العامة، وأنهى الحرب مع أريتريا (فاز بسبب ذلك بجائزة نوبل للسلام، وتلك دائما علامة رضى من قبل الولايات المتحدة والغرب).
وبعد استتباب أمر حكمه عام ٢٠١٩ قام أبي أحمد بإكمال انقلابه السياسي على جبهة تحرير تيغري عبر حل الحزب الحاكم ودمج كل عناصره التي حلت نفسها ذاتيا داخل حزب جديد اسمه حزب الإزدهار. في المقابل رفضت جبهة تحرير تيغري حل نفسها وقامت بترحيل قياداتها من العاصمة أديس ألى عاصمة إقليم تيغري ميقلي.
على الصعيد الإقتصادي أتبع أبي أحمد سياسات ليبرالية اقتصادية وأشرف على عملية خصخصة العديد من ممتلكات القطاع العام. وأستمر الاقتصاد الأثيوبي في النمو منذ ٢٠١٨ بنفس الوتيرة. كذلك أدت سياسات التحرير الاقتصادي ألى جذب الاستثمارات الأجنبية. في هذا السياق تجذرت علاقة أبي أحمد وإثيوبيا بدولة الإمارات، أذ تعد الإمارات أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد الإثيوبي الذي عانى من التضخم في السنوات الأخيرة.
من الجانب الآخر فإنه من الواضح أن نظام أبي أحمد يركز، بصورة شائعة بين السياسيين الأفارقة الشباب، على مسألة النمو الاقتصادي بصورة تقترب من الهوس. فبينما كانت أثيوبيا تغلي على صعيد مسألة الأثنيات والتيغري تحديدا، كان نظام أبي أحمد يحتفل بنجاح أقتصادي مزعوم تلو الآخر. ولم يكن من الواضح أي خطة وضعها النظام لتحقيق التفاوض الاجتماعي السلمي المطلوب. فبدل خلق مؤسسات ذلك التفاوض أو طرح تصور له، قام نظام أبي أحمد بألغاء (أو تأجيل) إنتخابات العام ٢٠٢٠م بحجة وباء الكورونا.
فتزامن سعي أبي أحمد لإلغاء سياسات الفيدرالية الإثنية التي حكمت منذ اقرار دستور ١٩٩٥، مع إلغاءه لوسيلة التفاوض الأساسية لدى الشعب وهي الإنتخابات. فيما ركز كل جهوده في خلق توازنات، داخل حزبه، لنخب الإثنيات المختلفة.
يمكن للمرء تخيل مسرحية كوميدية من أدب التاريخ البديل تقوم أحداثها في فيلاديلفيا ١٧٨٧م، وبدل النخبة الأمريكية وقتها، يجتمع قادة أفارقة مثل أبي أحمد، عمر البشير، موغابي، كاغامي، الخ ويدور بينهم المؤتمر الدستوري، أو يمكن أن يسموه المؤتمر التشاوري الأقتصادي من أجل التنمية، ويبدؤون فيه بمناقشة سبل التغلب على البطالة وكيفية زيادة إنتاجية المزارعين ويختم المؤتمر بتصويت بينهم لا ينجح لأنهم لم يتفقوا على ترتيبات التصويت ثم يخرجون من القاعة كل على رأس جيشه يستعد لمحاربة الآخر.
على العموم، لم يسعف ازدهار أثيوبيا أبي أحمد كثيرا، فتأخير الانتخابات قُرء في إقليم تيغري على أنه تحول من الانقلاب ألى الهيمنة وتحركت جيوش جبهة تحرير تيغري ضد أبي أحمد.
في البداية استفاد أبي أحمد خلال حرب التيغراي الأولى عامي ٢٠٢٠ و ٢٠٢٢ من سمعته الدولية ومن تحالفه المحلي مع الأمهرا وكذلك علاقته الجيدة وقتها بأريتريا ووجود تعقيد تاريخي بين التيغري الأثيوبيين والتيغري الإريتريين، كل تلك العوامل مكنته من صد تقدم التيغري وتحقيق تحالف عسكري ضدهم ضم جبهة فانو الامهرية والدولة الاريترية كذلك. توقفت الحرب باتفاق هش في جنوب أفريقيا. ولأن المسألة القومية إن لم تحل فإنها تنفجر من جديد ظل الجميع حول العالم ينتظرون انفجارها.
في هذه الأثناء، اتجه أبي أحمد إلى تجذير تحوله من الفيدرالية الإثنية إلى القومية المركزية، أولا عبر تأكيد سيطرته على الجيش الوطني المهني، عبر منظومة ولاءات خاصة، خلق قوات خاصة سريعة الحركة قد تفيد في القضاء بسرعة على أي تمرد في الجيش، وضع منظومة الصناعات الجوية (الدرونز) تحت تحكم نخبة عسكرية صغيرة، ووضع شبكة أمنية محكمة حيز العمل (يتوقع المرء أن تقارب الإمارات وإسرائيل مع اثيوبيا قد طور من هذه القدرة الأخيرة كثيرا). ثانيا قام أبي أحمد بتنظيم حوار واسع مؤخرا تحضيرا لتعديلات دستورية على دستور ١٩٩٥ تلغي فقرة حق تقرير المصير و تمنحه سلطات تنفيذية أكبر ربما.
في مقابل هذا التحرك الدستوري، في ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦، أعلنت مجموعة من الحركات المسلحة في الأقاليم السبعة الكبرى، على رأسها جبهة تحرير تيغري وحركة فانو الأمهرية، وجبهة تحرير أورومو، توحدها تحت شعار "تحالف قوات الشعوب الأثيوبية من أجل البقاء".
تهديد أبي أحمد، شبه الإمبراطوري، للسودان عبر دعم قوات الدعم السريع، وأريتريا عبر إعلانه سعي بلاده لإيجاد منفذ بحري دائم، ولمصر عبر سد النهضة، ساهم في تسريع استفحال مسألته الوطنية. بصوة عامة فإن المزج بين الهيمنة المحلية والتآمر الإقليمي على الجيران هو صفة شائعة بين القادة الأفارقة. مزج بالطبع قاتل للأوطان والأنظمة حد السواء.
٨. خاتمة: حركات مسلحة أم حركات وطنية؟
ينقص هذا التحليل بالطبع معرفة بالتاريخ الداخلي للشعب الأثيوبي. فلو كتب الواحد مثل هذا المقال عن السودان لكان ركز على عناصر خارج التاريخ الرسمي للسودان. فهنالك ثورة ١٩٢٤ وبعدها الأيديولوجي (والفني حتى) في تشكيل وجدان المشروع الوطني الأول، وهنالك الحركة الشيوعية السودانية منذ الأربعينات وإلى ١٩٧١، وهنالك تاريخ الثورات الذي هو تاريخ من البدايات الديمقراطية المجهضة ذاتيا وبيد الغير. كل ذلك التاريخ بتفاصيله هو تاريخ الحل. بينما يصف التاريخ الرسمي للسودان المشكلة فقط. فيمكن القول هنا أنني سعيت في هذا المقال لرصد المشكلة الأثيوبية ويتمنى الواحد أن يؤدي اطلاع دقيق مستقبلي لرؤية مكامن الحل في الطاقة الأثيوبية الإجتماعية.
على صعيد آخر لا يكتمل وصف المشكلة بالتركيز على صعيد الدولة فقط. فهناك كذلك النخب المعارضة. ونمط عملها. (شبيهة بحال النخب المعارضة للإنقاذ في السودان).
على سبيل المثال جاء إعلان تحالف البقاء على طريقة رزق اليوم باليوم والتعامل مع الطاريء تكتيكيا، التي نعرفها جيدا في السودان. حيث يتحالف الحلو مع حميدتي بلا ترتيب ثقافي أو اجتماعي مطلوب بين قوتين تتهم أحداهما (الحلو) الأخرى (حميدتي) بارتكاب مجازر دارفور في بداية الألفية الثانية. بنفس الطريقة جاء التحالف بين جبهة تحرير تيغري وفانو، ومازالت الأولى تتهم الثانية بالابادة الجماعية لشعب التيغري خلال الحرب الماضية (٢٠٢٠-٢٠٢٢). وعندما تطلع على بيانات التحالف تجدها مصممة على طريقة دعنا نتفق الآن على إسقاط النظام ثم نقوم بعقد "مؤتمر دستوري" بعد سقوط النظام.
يدور دائما تساؤل في ذهني بالنسبة لشعوب هجرت بكثافة من أرضها نتيجة لفشل متراكم، لماذا لا تقوم الدياسبورا بعقد مثل تلك المؤتمرات التي يقال لنا أنه يحول بيننا وبينها أنظمة قاهرة؟ ألم تكن ارض الله واسعة وهاجرتم؟!
يسود بين قوى المعارضة الأفريقية حالة طفولة سياسية تجعلها تنظر للدولة باعتبارها في مكان الرب سيد الكون. فكل شيء يمر عبر الدولة ولا شيء خارجها. ويتحول بالتالي الصراع، بكلياته، لصراع على الدولة وعبر الدولة. لا يلغى بذلك المجتمع فحسب (مثل الغاء فعالية الجاليات في مسألة عقد التفاوض العام في أوقات القمع، أو ألغاء قدرة العمل النقابي، أو ألغاء قوة العمل الإعلامي الرصين، الصحف، ومراكز الدراسات ألخ)، بل وكذلك يلغى العقل والضمير القادر على الخيال.
تمثل أثيوبيا، قصة أفريقيا المكتملة. ففي غير أثيوبيا انقطع التاريخ بالاستعمار، بينما أتصل في أثيوبيا بكلياته كثيفا في اللغة والقوميات، وحاضرا بطاقته وتناقضاته. رغبت في الحقيقة في كتابة هذا المقال لتكون إثيوبيا "نيغاتيف" نرى فيها نفسنا كسودانيين أكثر من أي شيء آخر. كان الطيب صالح قد ذكر مجازا بما معناه أن السوداني لا يستطيع تخيل وجه أمه أو تذكره. في تعبير في رأيي يشير لعدم القدرة (أو عدم الرغبة) على تذكر التاريخ قبل الاستعمار. في هذا السياق ستكون إثيوبيا هي أقرب الوجوه لوجه السودان الأم.




