أنا ضيفا على التاريخ الوريف: عبد اللهي علي إبراهيم
تقرير عن زيارة لبيت أحد أعلام السودان، للقادمين ممن يهمهم الأمر

كُتب المقال في نوفمبر ٢٠٢٥
يمكن متابعة حلقات البودكاست المسجلة مع البروف هنا
١. ومع ذلك:
أول معرفتي بالبروف كانت، مثل غيري من عامة السودانيين من جيلي من مواليد التسعينات، عبر الصحف. وعن ذلك نقول هذه الملاحظات:
الوالد كان قارئا مواظبا على الصحف. فأبي ينتمي لجيل تفتح أثناء عملية سياسية سودانية صاخبة في الفترة بين ثورتي أكتوبر وأبريل -وكل سوداني منذ دخل علينا الطغيان التركي، هو ذات بين ثورتين بمعنى من المعاني- عملية شارك فيها الوالد بما أصفه أنا الآن ب-”المواطن الصالح” وهو عندي الفرد الملتزم في شأن الوطن بفكرة يصر عليها بصدق أيا كانت.
وما التزم عليه أبي لم يكن ما اخترته أنا لاحقا. لكننا اتفقنا على تقاسم الجرائد أقرأها أنا بعد أن يفرغ هو منها. وربما أثرت نشأتي في دول الخليج (عدت للسودان بصورة نهائية مع بداية المدرسة ثانوية) في إعجابي بالصحف السودانية. خاصة ربما أن فترة دراستي للثانوي (٢٠٠٤-٢٠٠٧) ثم الجامعة (٢٠٠٧-٢٠١٤) كانت ترافقت مع فترة انفتاح نسبي في الحريات وصراع كثيف بين الحركة الشعبية، القادم الجديد على سياسة الخرطوم بعد نيفاشا، والحركة الاسلامية، من ضمن حلقات أخرى من ضمنها المؤتمر الشعبي وقوى المعارضة العلمانية واخرين.
مع ذلك، يمل قارئ الصحف السودانية السياسية منها بسرعة نسبيا. خاصة إذا قارنت مستوى رواجها بالصحف الرياضية مثلا. باستثناء لحد ما لبعض الصحف ذات الجذب مثل الانتباهة (الانفصالية) الحاضرة دوما في بيتنا، وأجراس الحرية (الناطقة باسم الحركة الشعبية)، غير الحاضرة في بيتنا، لكنها رائجة وكانت تبث نوعا جديدا من الخطاب لم يكن متاحا قبل نيفاشا. ويمل القارئ من الصحف السياسية لأنها مثل الخطاب المكرر الحالي عن الحرب، تعتمد في أغلبها على كتاب يعانون من ضيق أفق مزمن يؤدي لتكرار وتركيز على اللحظة الآنية كأنها لحظة واحدة كلية دائمة بلا أي تصور ثقافي لها. لحظة مكاجرة مطلقة تلغي التاريخ والمستقبل. ويغيب بالتالي أي تصور يسمح للفرد أن يفهم الظاهرة أمامه كمساهم في التاريخ وليس كمتفرج على الظواهر الطبيعية.
في هذا السياق الفقير نوعا ما جذبني، وبشدة، استثناءان، الأول هو عمود بروف عبد اللهِ علي ابراهيم وعنوانه "ومع ذلك" في صحيفة الرأي العام، إن لم تخني الذاكرة. والثاني هو ملف مأمون التلب الثقافي في جريدة الأحداث.
من خلال قراءتي لمقالات البروف اكتشفت أنه حتى هذه الحالة التي تبدو متطرفة في عاديتها: شاب يكتشف كاتبا عبر المواظبة على قراءة مقالاته في الصحف العامة. حتى هذه الحالة لم تمر بدون تعكير المعارضة المتزمتة لها. فمن وجهة نظر معارضة الإنقاذ أن مثل كتابة البروف في صحفها المراقبة أمنيا هو خيانة لمبادئ النضال الطهور. وكان بعض نشطاء المعارضة، الذين يعملون ككلاب الحراسة، يرفعون خطيئة الكتابة أمام وجه البروف كلما سنحت الفرصة. مرفقة طبعا مع خطاياه الأخرى: المشاركة في مؤتمر عقدته الإنقاذ في بدايتها، القرب من بعض "الكيزان" مثل الراحل الطيب زين العابدين وغيره، أو الكتابة برصانة عن مسألة الشريعة والحداثة بما في ذلك وضع الراحل الآخر شيخ حسن الترابي في موضع الدراسة الأكاديمية لا العراك معه.
لأقرأ البروف عبد اللهي شابا، ويتفتح عالمي باباً باباً مع كل عدد جديد، كان على البروف أن يرتكب خطيئة أخرى أمام محكمة الكانغارو الصارمة ويزداد عزلة عندهم. ويعلم قارئ مواظب للبروف مثلي أنه أوسع اهتماما من أن يشغله حصار المعارضة الجزافية التي حاصرت قبله الطيب صالح ووردي وحسن نجيلة، وأصبح مثل الدكتور محمد جلال هاشم عندهم اليوم عنصريا بغيضا بجرة قلم -وتفشل المعارضة الجزافية في مستوى المالات النهائية للأمور. فبينما لا يتذكر أي منا أسماء جاحدي الطيب صالح، أصبح كل سوداني، بمعنى من المعاني، جزءا من خيال الطيب صالح بالتعريف- إلا أنه من الجانب الآخر من المهم فهم هذه الميكانيزمات الناعمة للسلطة. فلا فكاك لإعلامنا العام وشبكات العمل الاجتماعي من قبضة هذه الطبقة البرجوازية الصغيرة بغير تفكيك لقدرتها التكتيكية على تبخيس عمل أنبل أبناء الوطن.
٢. سلافوي جيجاك:
أقرأ حاليا أحد أخر كتب البروف عبد الله علي ابراهيم وعنوانه (الراحلون همو: الماركسية السودانية، إضغط على الرابط هنا لشراء الكتاب من أمازون، أو هنا لقراءةتعريف عام بالكتاب) وهو سيرة مفتاحية، في تاريخ ما يمكن وصفه بالحركة الشيوعية الاجتماعية السودانية وليس فقط الحزب الشيوعي، من منظور أحد كوادرها المتفرغة وهو البروف. وفي المقالات المتعلقة بفترة قيادة البروف للعمل الثقافي في الحزب تجد مادة رصينة في مناهج التعليم والإعلام الحزبي، تعطي فكرة عن رغبة نافذة لدى البروف في العمل على تغذية الثقافة السياسية عندنا بعناصر تربوية وتعليمية تحيل كادرنا من التشوش والتهريج إلى العمل المبني على بصيرة.
وما قُفل الباب في وجهه داخل الحزب واصله البروف خارجه. فقد تعزف أجيال عن قراءة البروف بجدية، ومثل من هو بحالنا كأمة لابد أنه أرتكب بعض الأخطاء، لكن من يبادر بقراءة البروف، حتى على مستوى المقالات الصحفية الدورية (إن لم نقل الكتب النظرية المفتاحية مثل الشريعة والحداثة، صدأ الريف، الماركسية ومسألة اللغة الخ) سيتعلم الاستراتيجية والتكتيك، مثل مبدأ المساومة، الثورة المضادة، تاريخ الطبقة العاملة السودانية وحقائقها ومداخلها. وبعض أمور التربية. وسيعرف عن الراحل شيبون. ومدارس الغابة والصحراء ونقدها. ويقع في حب أكتوبر خارج أشعارها. وقد يرى المسرح كذلك. عبر البروف تقرأ عن أشخاص على منهج ما أسماه الفيلسوف الفرنسي ليفيناس "الإنسان ذو الوجه الكامل"، فالبروف يكتب عن قصص حياة جيل الآباء بصفتهم حيوات بوجه مكتمل لا مجرد حالات سياسية أو CV. أي أنك عبر البروف تجلس تحت ظل وارف، مهما بدى ذلك على أيامنا مستحيلا. ويا المطر عز الحريق!
وفتحت لي قراءة البروف في فترة الجامعة أبوابا واسعة للاطلاع. فالبروف مقبل على العالم من موقع وطني مطمئن. يجعله يكتب عن الأجنبي من منظور السائح ثقافيا، سائح للحقيقة، وليس الداخل على الأجنبي قلقا يحمي نفسه بطبقات من الأدرع النفسية. (على سبيل المثال القارئ للكاتب المصري المعروف عبد الوهاب المسيري عن الغرب سيشعر أنه يقرأ شخصا في حالة حرب مع ثقافة تهدده بالموت، وبالتالي لن ينتهي المسيري لترشيح أي معرفة غربية في خارج الإطار الرجعي المتعلق بالرد عليها أو رفضها أو ايضاح مثالبها إلخ. وانتهى لحالة من المحلية الهيستيرية الأصولية ألغته).
كان البروف قد كتب مقالا تحدث فيه عن تأبين نيلسون مانديلا. وفي معرض حديثة أشار للفيلسوف السلوفيني (الكوميدي) سلافوي جيجاك. ونبه لجدية وطاقة شابة في أفكاره. وكان جيجاك قد سخر يومها من مترجم للغة الصم مفبرك تم وضعه أمام الكاميرا ليترجم كلمات التأبين النفاقية فصار حقيقتها. ومثل حالات كثيرة أخرى تتبعت أنا الخيط الذي قادني لقراءة، من ضمن كتب أخرى، كتاب جيجاك التأسيسي في الأنطولوجيا والفلسفة “أصغر من اللاشيء” Less Than Nothing. والثمار من شجرة الفلسفة تتأخر أو لا تنبت أبدا، إلا أنه على الأقل على الصعيد الشخصي فقد مثلت معارف سلافوي جيجاك ومن ثم الفيلسوف الفرنسي الجذري الآخر آلان باديو فتحا كبيرا بالنسبة لي. عرفت كذلك عن ديفيد هارفي ودعوته التي مازلت أراها واحدة من أهم الأفكار المعاصرة (الحق في المدينة) عبر البروف. (ربما لم يجد ديفيد هارفي نصيبه من التطبيق في الولايات المتحدة حيث عاش، لكني أرى تجربة لجان الأحياء أو المقاومة عندنا كأفضل تطبيق لنظرية الحق في المدينة الهارفوية).
وهكذا أرى الآن سلسلة مقالات البروف كمدرسة للكادر. ربما فاقت حتى ترتيبه الحزبي التربوي المقترح في السبعينات (راجع كتاب الراحلون همو المذكور أعلاه).
٣. المتصوف: شنطك وينها؟
منذ قدومي للولايات المتحدة قبل حوالي عشر سنوات ولي رغبة في زيارة البروف. وكنت تواصلت معه في حوالي ٢٠٢٠ وقبل طلبي الزيارة بصدر رحب إلا أنه حالت بيني وبينها متاعب متعلقة بالغربة ليس المجال هنا لذكرها. وبقي البروف بريدا متاحا بالنسبة لي بصورة دائمة. كنت تواصلت معه أول مرة في حوالي ٢٠١٤ أو قبلها. بهموم صغيرة ثانوية كنت أراها رئيسية. ورد على البروف وأخذني بجدية. ويجيبك البروف إن سألته مثلا: ما علاقة ثورة ١٩٢٤ بتأسيس الحزب الشيوعي، ب: إقرأ مقالات محمد نوري الأمين فهذه نظريته ويحيلك. سألته مرة عن موسم الهجرة إلى الشمال، فأرسل لي ورقة كتبها عن الرواية عنوانها "المستعمر: حالة من اللا-بايوغرافيا (أو حالة من اللا قصة حياة)" وهي احدى أهم الأوراق التي قرأتها في حياتي. وجدت فيها شفاءً مستمراً من ضنك ما بعد الاستعمار. (وإن كانت لي في النهاية، قراءة لاكانية -نسبة لعالم النفس الفرنسي جاك لاكان- أكثر جذرية ربما من قراءة البروف، لمصطفى سعيد. الذي أحبه، كذات متلاشية/حاضرة، بلا اعتذار… لكن ذلك موضوع آخر).
في أواخر شهر مايو من هذا العام أرسلت للبروف أسأله أن ألتقيه في حلقة أو حلقات لتسجيل بعض من سيرته في حلقة بودكاست. سؤاله لم يكن عن حجم البودكاست، وكنت أخبرته أني "بادي ياداب" بل طلب مني أن أجهز للحلقة جيدا: أقرأ كذا وكذا وكذا. وقال عندما سألته التوقيت: "خير البر عاجله".
رتبت أمري وتحركت بعد أسبوع عمل في مدينة أيوا سيتي، القريبة من كولومبيا ميزوري حيث يسكن البروف، ونزلت في غرفة في منطقة قريبة. في اليوم التالي رتبت مع البروف أن نلتقي في منزله ونتفاكر حول ترتيب الحلقة. وكان.
أول ما لفت انتباهي وأنا "أبركن" السيارة هو سيارة البروف. ولم أستطع إلا أن أفكر في أن السيارة القديمة، ربما من موديل التسعينات، تقف شاهدة أن البروف ما يزال متفرغا في الحزب الشيوعي السوداني على شروطه القديمة "القروض" التي حكى لنا عنها. متفرغ بلا ضرورة. وفكرت بعدها كثيرا في تلك السيارة: هنالك فرق شرحه لي جدي المتصوف بين الزهد عند عامة الناس والزهد عند المتصوفة، عند الإنسان الممارس للزهد كتضحية فمحبة المادة تغالبها رغبة في النقاء، بينما عند المتصوف فمحبة الله والخلق تغلب فلا يعد الإنسان يرى في مواعين المادة إلا صدأها. في التصوف هنالك فقط المحبة أما التضحية فهي تلتقي مع الرغبة جدليا. أو كما قال جاك لاكان: للرغبة هيكل الواجب.
وفاجأني البروف بعد أن سلم علي: شنطك وينها؟ وهذه ربما حميمية تلقائية يحتفي فيها واحدنا بالآخر ضيفا إلا أنني "طوّلت منها" في هذه البلاد التي تموت من شدة البرد حيتانها. فضحكت.
٤. آلان باديو: شباب الإنسان عبر الحقيقة مديد
لم نفكر بعد في المشروع الوطني إلا كحمل ثقيل. وربما دافعنا لذلك عقائد أصولية بها أخلاق ميكانيكية عن الثواب كمكافأة على تضحية ومجابدة وجلد. وليس كحالة صفاء داخل صادق المحبة كما رآها المتصوفة مثلا. أسمي الأولى "أخلاق المسؤولية" أي خروج الإنسان مضحيا برغباته من أجل تحمل مسؤولياته. وتلك أخلاق عبوس. مكدرة دائما بشعور بالشقاء. خاصة في بلد مثل بلدنا تعقدت مسائله واستفحلت.
في مقابلها هناك أخلاق الرغبة. بتعبير درامي لنيتشة: أن يحب الإنسان قدره Amor Fati.
ل-آلان باديو الفيلسوف الفرنسي نظرية في الأخلاق السياسية نقول عنها اختصارا: تعتمد الأخلاق في شكلها الجذري على حقيقة أن التاريخ يتغير باستمرار، جدليا، وفي داخل هذا التغير يحب الواحد منا شيئا جديدا ويرغب فيه. أو ما يسميه عبد الله علي ابراهيم "الوجود المغاير":
[ لقد احتجت مؤخراً، كابن لبندر عطبرة ذي الخيال الاجتماعي الجموح، للدفاع مكرراً عن هذه البنية المستحدثة في الوطن. فقد أزعجني من استعجلوا بالحكم عليها بالفشل بل إدمانه، وتباروا في ندب هذه البيئة كمن لا نستحقها وشق للجيوب عليها بما هو "معط الذات" الخالق الناطق. فمؤكد أن ساء الناس من البندرة أشياء ولكن الحكم عليها من جهة سياسات الحكم وحدها افتئات وقصر نظر وبغي. فبمثل هذا الحكم القاصر يروح عليك جمال كل أولئك الذين جعلوا البندرة ممكنة، وممتعة، وشائقة. ومتى ما ساء فعل السياسة فيها "هبت الخرطوم في جنح الدجى" تقبل عثراتها وتبقى على جوهر البندرة "الباقي لي" في 1956 و1964و 1985 (قبل ديسمبر 2018) والليالي من الزمان حبالى. فالمدينة في تعريف بسيط مختصر مفيد هي ما صح فيه القول "إننا لا ننتظر المستقبل (أو نتكهن به) فنحن نصنعه بأيدينا. We don’t wait for the future, we make it".
وقال التجاني يوسف بشير عن هذا الصنيع "الوجود المغاير". ولهذا كان لأبيات محمد المكي صدها وصهيلها ما يزال:
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدة والسير
من غيرنا لصناعة الدنيا وتركيب الحياة القادمة. ]
ويسمي آلان باديو حقائق التاريخ الجديد، المتكون عبر إرادة الناس الحرة، بالحقيقة. وللحقيقة عند آلان باديو بالتالي علاقة بحدث ما “Event”. يجعل الفرد يرى التغير لبرهة، لكنه ولأنه ليس جزءا بعد من "الوجود المغاير" يختفي. أمثلة آلان باديو على أحداث الحقيقة التي تختفي كثيرة، بداية من مجاز السفينة الغارقة، التي لا يبقى منها مترددا عبر الأثير إلا صوت أبحارها وهلاكها، لأحد شعراء الثورة الفرنسية "مالارمي"، مرورا بكميونة باريس وشانغهاي وأحداث باريس ١٩٦٨. تجزل الذات الحرة، الساعية للوجود المغاير، لهذا الحدث، نقي الوفاء. وعبرها يعيش، وتعيش عبره، مطلقا.
وللحدث Event عند عبد اللهي علي ابراهيم اسم: أكتوبر ١٩٦٤. حكى لي مثلا عن كيف كان الحزب يكلمهم أيام عبود عن تكتيك الثورة عبر الإضراب السياسي العام وهم يا مؤمن يا مصدق، وحصل! وشعرت أن البروف ما يزال متفاجئا من تنزل الحقيقة أمام عينيه بعد أكثر من ستين عاما. وعبر وفائه المشهود لهذا الحدث حافظ البروف على طاقة إعجازية للبحث في الحق وعبره والصدح به… والفرح به.
فوجدت البروف، الذي حاولت بعض "الطفابيع"، في تعبير طريف لبشرى الفاضل، أن تستعمل عمره للهرج فحوله لعلم، وجدته في حالة شباب وتجديد مستمر. ووفاء للحقيقة في العالم المغاير التي فتحت له أكتوبر بابا يأبى البروف أن ينغلق. وذلك درس ليس في مدح البروف. بل في التربية: ما نظنه عادة شغلا عبثيا في السياسة وتضحية مطلقة في الوطن بلا عائد، هو في الحقيقة، وسيلة، ضمن وسائل روحية أخرى، لإنقاذ الإنسان من الموت. فعبر الحقيقة، في تعبير آلان باديو، يستحيل الإنسان سرمديا. فأنت لا تعطي القضية عندما تدين لها بالوفاء، بل تأخذ.
٥. خيانة المثقف:
ذهبت للبروف زائرا على منهج ورقته "المستعمر حالة من اللا-بايوغرافيا (أو اللا-ترجمة/قصة حياة)". وعدت وبحوزتي غنائم تاريخية كالذهب. فقد حكى لي البروف ما حكى عن طفولته وشبابه وعمره التالي، وملأني ليس محبة لتاريخ عزيز قرأت عنه كثيرا بل لوطن آخر لم أره، وكنت قد سمعت عنه كذلك من جدي وبالخاصة جدتي وهي كذلك من بنات مدينة عطبرة. وفصل البروف في البايوغرافيا، ربما بمكر مني، حتى تطرق لشقاوات سرقته للنحاس مثلا، معترفا، وضاحكا.
إلا أن بذرة الشقاء الحالي لبلدنا. والمتمثلة في عدم قدرة المثقف على رؤية قصة الحياة كاملة تجلت فيّ. وربما يمكن القول أن ذلك، جدليا، من حسن الحظ (وبضدها تعرف الأشياء). وذلك في عدم تطرقي لأربع مكامن رئيسية للتاريخ الفردي الذي هو التاريخ الداخلي للشعوب:
أ. السجن:
من قراءتي الحالية لكتاب الراحلون همو: الماركسية السودانية فتح ذهني لأول مرة على بوابة السجن في الرفاقية الشيوعية (فترة ما بعد إنقلاب ١٩٧١). فأنت ربما في هذا المجال ترى التركيب الأسفل للأيديولوجيا (بالمعنى الجيد للكلمة). الغناء الجماعي للكادر، الورش التربوية والتثقيفية التي قامت بينهم، العمل المسرحي. ولا تقوم أي حركة سياسية إلا بمثل هذا البناء السفلي الملطف لجمر القضية. إلا أن مثل هذا النوع من الفترات (١٩٧١ ثم السجن) هو مكون أساسي في أي قصة حياة نراها كاملة. بحقها الكامل في الدرامية إن صح التعبير.
وكنت بدأت حياتي مع الكتب عبر كتاب المفكر البوسني ورئيس الوزراء السابق علي عزب بيجوفيتش (هروبي إلى الحرية) وهو ثمرة تأملات المفكر المسلم خلال خمس سنوات قضاها في السجن أصبحت مما لا يمكن فهم حياته إلا بها. وبالكتاب رسائل غاية في العذوبة كتبها علي عزت لأبنائه.
ب. الشعر والحقيبة:
كان عبد الله علي إبراهيم نفسه، وعبر إشرافه على كتاب (هوية السودان من خلال نصوص أغاني الحقيبة، للكاتبة عفاف عبد الحفيظ)، قد ذكرنا بمركزية هذه المدرسة، في الخلق الثقافي للأمة، على جيله. ثم لاحظت من ونستنا الجانبية خلال الأيام التي زرته فيها تردد أغاني الحقيبة في تعبيراته خاصة في لحظات تكثف العاطفة. كالغناء في السجن. أو تذكر الرفاق. ثم فاجأتني ربما مركزية محمد المكي إبراهيم عند البروف، فقال لي مرة بعد أن ربط أبيات لود المكي بشيء (والاقتباس من ذاكرتي وقد تخطيء): "رغم أنني لم أتفق معه في العموم، إلا أنني وجدت أبياته حاضرة كلما احتجتها".
وفكرت وأنا أكتب هذا المقال أنه لا يمكن فهم تكوين اللغة ومن ثم التفكير بغير سبر لهذه التكوينات الفنية. وربما حفظنا مؤسسات مثل أغاني الحقيبة ومثل محمد المكي عبر مثل هذا الفضول.
ج. باب الحب:
إذا شاهدت حلقاتي مع البروف ربما ظننت أنه قس كاثوليكي. وحتى القساوسة الكاثوليك لهم تاريخ عاطفي قبل الوسم الكهنوتي. وربما صح القول إن واحدة من معالم غياب البايوغرافيا عن فضائنا الثقافي، هو تحول كل الأسماء في حياتنا لأسماء بلا آخر. وربما امتلكت الحركة النسوية شجاعة أكبر من محافظ اجتماعي مثلي لسبر هذه المنطقة البكر.
ويصح الاستطراد هنا بالقول بأن مسألة الحب. أو الباب الجذري للآخر. هي في صميم تكوين الأمة. وكنت قلت سابقا أنه يمكن القول بأن أحد أهم وسائل تجنيد الشباب في القضية هو تربيتهم على القدرة النبيلة على دخول مؤسسة الحب في مساحتهم الخاصة. فالحب هو أحد أدق حالات مفارقة الذات لنفسها عابرة لفضاء معنى أعم. ويمكن القول، من باب المحافظة الاجتماعية، أنه لن يستقيم شأن الوطن إن لم نطور ثقافة حديثة وأصيلة لمؤسسة الأسرة، تبدأ من حقيقة الحب كحالة قصوى في الصدق. والعمل.
د. باب الترشح لرئاسة الجمهورية:
بعد عودتي من الزيارة تذكرت حملة البروف للترشح لرئاسة الجمهورية وشعرت بالخجل. فمثل ذلك الحدث الرئيس في تاريخ البروف كشخص وكمفكر وكسياسي هو مما لا تفهم حياته بدونه. وربما كان تدبر هذه المحطة مع البروف مدخلا جيدا لسؤال عن مشروع البروف للمستقبل. ليس كبحث سياسي، بل كبحث في استراتيجيات الأمل عند البروف الشخص.
ولا تفهم حياة أي إنسان بدون قمتها. واعتقد أن أعلى سنام فعل البروف الوطني كان شجاعته في الاستثمار فردا في الديمقراطية مما يتردد أمامها كل يائس أو مستهين بالشعب وقراره. وكلما عادت الديمقراطية بيننا، وهي عائدة، ستكون محطة البروف المؤسسة الفرد أحد معالمها لكل راغب في الكسب عبر شق عصى الطاعة على السلطة المتحكِّرة Establishment. والديمقراطية في أقصى معانيها هي إمكانية الفرد للوصول لشعبه.
٥. شيوعي ومن معدن آخر: الحفاظ على بيضة المشروع الوطني/مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية
ذكر ستالين، في خطابة خلال تأبين القائد التاريخي للحزب الشيوعي الروسي فلاديمير لينين، كلمة قال فيها: "نحن الشيوعيون لسنا كبقية البشر، نحن مخلوقون من معدن آخر". وبينما كان الطاغية ستالين "عولاقا" بيروقراطيا وقمعيا نحمد الله ان تمثله كدولة انهار في النهاية واراح الخلق منه… مع ذلك فإن كلمته في حق بعض الشيوعيين صدقت.
في أثناء حديثنا عن تاريخه والحزب، كرر البروف وصفه للفترة بين لحظة طرد الشيوعيين من البرلمان في ٢٥ نوفمبر ١٩٦٥ وانقلاب نميري في ٢٥ مايو ١٩٦٩ بأنها كانت فترة عم فيها "وخم" كثيف. وخم أخرج على الناس الكثير من "اليائسين والمغامرين" بل ودفع البروف نفسه للوقوف خلف أكثر من موقف خاطئ. ليس ثمة هنالك شيء، فيما يبدو، أثقل على الثوري من السنين بعد ثورة هزمت. وتصدق هنا مقولتان:
1. مقولة الفيلسوف اليهودي الألماني وولتر بينجامين والتي روج لها سلافوي جيجاك مؤخرا: "يعقب كل ثورة فاشلة، صعود للفاشية التي تملأ، عبر نشاط الثورة المضادة، الفراغ". الفراغ الناتج عن فشل تكون نظام لاحق يعبر عن المشكلة الاجتماعية في حقيقتها، ينتج حالة تقوم فيها الثورة المضادة بفرض تعبيرات أخرى، عرقية أو دينية، على المشكلة الاجتماعية التي كانت طبقية أثناء الثورة.
2. مقولة الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي حول الزمن الصعب بين نهاية القديم وعدم تكون الجديد: "تعشعش الوحوش في الفراغ الناجم عن موت القديم وعدم تكون الجديد بعد".
ومثل الفترة الوخم بين ١٩٦٥ و١٩٦٩ (وربما كذلك بين ١٩٢٤ وحتى تجدد الحركة الوطنية في بدايات الأربعينيات)، فإن الفترة الحالية، منذ تضعضع الثورة (ديسمبر) وقصورها عن تحقيق أهدافها أو إدارة المرحلة الانتقالية، دعنا نقل منذ ٢٠١٩ عندما هيمنت الطبقة السياسية القديمة على الثورة عبر قوى الحرية والتغيير، أو أكتوبر ٢٠٢١ انقلاب البرهان، أو أبريل ٢٠٢٣ لحظة اندلاع الحرب الأهلية، هذه الفترة هي بالمثل فترة وخم كبير من منظور المشروع الوطني.
وما يميز هذه الفترات هو غياب الرؤية الوطنية القاعدية التي لا تلطف الصراع الاجتماعي من العنف المجرد فقط، بل وكذلك تديره إلى بر الأمان. فتحت ظل ضربة هزيمة الثورة تفقد القوى الاجتماعية الحية قدرتها على إدارة المشهد، ويصعد في المقابل الفاعل السياسي إما القائم على شبق بالعنف مجرد، أو ذو تصور رجعي عنصري أو ديني للتاريخ، أو "اليائسون والمغامرون" الذين يصبح الأمر كله عندهم هو سعي جنوني، انتحاري أحيانا، نحو كراهية طفولية لآخر ما (قحاتة يكرهون الكيزان وكيزان يكرهون القحاتة… بلا حدود).
في هذه الفترات تحديدا نحتاج للعودة "لمشروع الثورة الوطنية الديمقراطية" كمشروع ثقافي ابتداء، اجتماعي من حيث الأدوات، وسياسي حزبي ديمقراطي في التطبيق النهائي. وفي هذا السياق سيكون عبد اللهِ علي إبراهيم ومشروعه الثقافي هو حلقة الوصل المعاصرة الرئيسية في سلسلة سعي السودانيين التاريخية نحو الحرية، الاستقلال، والعدالة (الديمقراطية). وذلك من خلال عمله الثقافي التربوي على الجبهات الرئيسية التالية:
1. مسألة التاريخ:
بينما اتفقت النخبة السودانية على تفسير ذاتي غير موضوعي للتاريخ تجسد في عبارة "النخبة السودانية وإدمان الفشل" أحالها لحالة لا تاريخية لفهم الواقع. وتحولت من ثم لتفسير التاريخ عبر الخصومات الآنية. في المقابل حفظ مشروع عبد اللهي علي إبراهيم للحركة الوطنية جذر التفسير المادي لها، والذي يحيلها، جدليا، لحركات وطنية (وليس حركة واحدة) لها منابع اجتماعية مادية تفسر تصرفها ومنهجها (وفشلها أو نجاحها)، بل تحدد المعيار نفسه الذي يقاس عليه النجاح والفشل.
فعبر عدد من الكتب فيما أسماه البروف "الماركسية السودانية" فصّل البروف في تاريخ الحركة الوطنية بجعلها حالة صراع بين طبقتين عمالية من جهة وبرجوازية صغيرة من جهة أخرى.
ولم يكتف البروف بتنقيح تاريخ الحركة الوطنية فقط، بل تجاوز ذلك عبر إدخاله النظرية التاريخية نفسها في الواقع السياسي والثقافي السوداني. فبينما انصرفت النخب المتأخرة عن الثورة المهدية بوصفها شكل أخر من "الكوزنة" أو الرجعية الدينية، أقبل عليها البروف عبر أدوات نظريات ما بعد الاستعمار يفسرها ضمن سلسلتها التاريخية كواحدة من روافع التاريخ السوداني الأصيلة: سنار، الاستعمار التركي، الدولة المهدية، الاستعمار الإنجليزي، الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار. فهذه السلسلة عند البروف هي ليست حالة اعتباطية وجب أن تنسى ونركز في الأسا دا، بل هي حالة تاريخية كلية يجب أن تدرك داخل نظرية تاريخية هي مزيج عبد اللهي أبراهيمي بين الماركسية السودانية وما بعد الاستعمار.
ومثل شغل البروف يوفر للفاعل السياسي ما يسمى بالخريطة الذهنية Cognitive Mapping التي بدونها يذوب الواحد منا في بحر الواقع بلا إحداثيات ولا بوصلة.
2. مسألة اللغة والهوية:
تبعثرت مسألة الهوية في أروقة النخبة السودانية كمطية سياسية فتحولت لمنتدى تغابن مستمر. سقيفة تحتها يحترب الناس عبر أصولهم الوخيمة… وخلاص. في أسوأ أحوالها تحولت كذلك لرغبة لا نهائية للانفصال. فطالما تكاجرنا في الوطن وأنبهل. فلماذا لا يلملم كل منا حقائبه الهوياتية ويرحل؟ وحال وصولنا للوطن الجديد، الأكثر نقاء، انتبهنا، مرة أخرى، إلى أن به هويات مختلفة هي الأخرى وتكاجرنا من جديد.
مدرسة أفريقانية السودان أو نظرية ال "أسلامو-عروبية" ذهبت إلى أن حل مشكلة الهوية هو في إلغائها. فإن كان بالسودان عرب هيمنوا على الآخرين بثقافتهم. فالحل سيكون في اكتشاف انهم في الحقيقة ليسوا بعرب ولا هم يحزنون. وبالتالي لا يبق سبب لا للمكاجرة ولا للانفصال… الهم إلا أنه من يقنع الديك؟ والديك هنا يمثله أمثالي، محمود أبن المعتصم المعتقد في عربية فرع المحس الذي ينتمي له، وجدي لأمي الأمين محمد الفكي البيتي المعتقد في أصل عربي شريف (أي يعود لبيت النبي العربي نفسه) لم يشك فيه للحظة؟
سيقول محمد جلال هاشم، غالبا بشفتين متشنجتين وكأنه شخصية في إحدى روايات دوستويفسكي، بأن الحل هو في تخليصي من هذه الأدلجة. ربما عبر مراكز أعادة تأهيل ثقافية أو بالإقناع. لكن ما نفعل إلى حينه؟ هكذا تتحول الهوية لأزمة واجبة الحل. وفي مسائل الهوية عندنا الحل أحيانا هو في البل.
في المقابل، وطن البروف عبد الله علي إبراهيم لمسألة الهوية عندنا داخل تصور ثقافي تاريخي لا ينظر للهوية كأزمة، بل كحقيقة. وعبر التفسير المادي للتاريخ، والذي يفتح "بوتقة أخرى للانصهار" عبر مؤسسات مادية طبقية (النقابة – لجنة الحي – النادي الرياضي – النادي الثقافي – الحزب الشيوعي) وداخل المشروع الوطني القاعدي الحق، يؤسس البروف لنظرة للهوية كمورد آخر وجب علينا العمل الرصين لحفظ تنوعه. فطالما توفرت أدوات للوطن من ما هو فوق الهوية، فلا يصير التنوع أزمة. بل ثراء.
فإذا كانت للعرب في السودان مشكلة فهي ليست في هويتهم بل في ضعف عنايتهم بهويتهم، فلا مركز ثقافي يُرى لها في المهاجر مثلا، أو اهتماما بروافد تلك الهوية المحلية في الريف وغيرها، حتى استحالت في النهاية لحالة عمسيبية انتهازية انفصالية بلا أفق وطني جامع (النقد للعمسيبية من عندي).
3. مسألة المشروع الوطني:
بحفاظه على أدبيات العمل الشيوعية السودانية في الفترة بين ١٩٤٨ و ١٩٧١، والتي كان عنوانها في المجمل “مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية”. واستعماله لهذه الأدبيات والأدوات لنقد تكتيكات الطبقة السياسية خلال الأربعين سنة الماضية. نسج بروف عبد الله علي إبراهيم تصورا مغايرا للعمل السياسي الاجتماعي عن السائد حاليا. ويمثل إمكانية للتنظيم عبره والبناء عليه في نظري.
فيبني البروف نظريته للعمل الاجتماعي على وحدة التنظيم المادي القاعدي الديمقراطي. النقابة مثلا، هي الوحدة التي عبرها تبدأ الطبقات الكادحة في امتلاك القوة الاجتماعية وبناء فعاليتها في التنظيم وثقافتها الديمقراطية. وفوق هذا التكوين المحلي الأصيل يرتقي المشروع الوطني في شكل طبقة سياسية مرتبطة عضويا وبصورة صادقة بهذه القاعدة المنظمة. ولا يهدف المشروع الوطني لتكثيف قوة الطبقة القاعدية فقط، بل ولإيصال الوطن لحالة استقرار ونماء داخل إطار البرلمانية، أي الديمقراطية، ثم إدارة الصراع الديمقراطي بما يحقق مصالح الطبقة العاملة. أي أغلبية السودانيين.
هذه الاستراتيجية عند البروف لا تتحول لصيغة طهرية جامدة هدفها شعور الكادر بالتفوق الأخلاقي كما عند بعض أبناء تيار الجذريين حاليا. بل لإستراتيجية كلية تحتاج لتكتيكات عملية واقعية ومرنة. فتجد البروف يتكلم عن فكرة "المساومة" ليس عبر شعر "لا تساوم وإن منحوك البتاع" بل باعتبارها إحدى التكتيكات الممكنة حسب الظرف في إطار مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية… مارسها لينين وعبد الخالق.
أقول مع ذلك بضرورة النظر لمشروع عبد الله علي إبراهيم (ومشروع حزب عبد الخالق إن صحت التسمية تميزا للحزب حتى ١٩٧١) السياسي باعتباره أرضية بداية صلبة لكنها ليست المنتهى. فانقطاع مشروع الشيوعية السودانية في ١٩٧١ جعله يقف عند مرحلة التأسيس بدون خبرة في إدارة المشروع الوطني في إطار سلطة آلت له. ولم تتوفر له بالتالي مساحة تفكير مستقبلي يتجاوز أفق الثورة الوطنية الديمقراطية. وسيكون على العبد اللهي ابراهيميين أن يفكروا داخل إطارهم الحالي في مشروع لا يفسر الماضي فقط بل ويقبل نحو المستقبل بنظرة تخاطب الوضع المحلي (مسائل التنمية – الهجرة - التعاونيات – الاقتصاد المحلي، على سبيل المثال)، والوضع الإقليمي (مسألة الأفروعمومية) والوضع الدولي (مسألة العولمة و ما بعد العولمة) بإجابات لا تثير فقط حماس الشباب، بل وتحيي إرادتهم، ككادر، للإمساك بمصيرهم كصانعين له لا كمتفرجين أو مدافعين.
4. مسألة ما بعد الاستعمار أو أزمة الفرد السوداني:
أكثر ما يميز النخبة السياسية الحالية هو شعورها بأن سبب أزمة الإنسان السوداني والمجتمع ككل والدولة هو لعنة غير مفهومة. يكره عبر مثل هذا التفسير على عواهنه الواحد منا نفسه. وأهله. فتتحول أزمتهم، وأخطاؤهم خلال تلك الازمة، لشاهد على عطب جوهري فيهم. ويبدأ الواحد منهم حديثه دائما ب: نحن مشكلتنا إننا أصلوا ما بنتفق أو خلافه من التفسير الدائري للأمور. (نحن لا نتفق لأن من طبيعتنا ألا نتفق).
التفسير الدائري للأمور انتقل عندنا لأمهات الأمور. لماذا ظهر بيننا الكيزان مثلا؟ في أفضل وأسوأ صورهم. لا تفسير اللهم إلا نهم قد ظهروا وأتعبونا. لماذا يسود في خطابنا العام حالة من الجهل والاحتفاء بالجهل؟ بل وحتى العبط أحيانا؟
لماذا لا يتذكر السوداني سنار ١٥٠٤م – ١٨٢١م، بينما ما يزال يحتفي الأمريكيون مثلا بي الرابع من يوليو ١٧٧٦م؟ أو باقتباس لتعبير من موسم الهجرة إلى الشمال: لماذا لا يتذكر السوداني وجه أمه إلا كسراب كمياه البحر؟
فصل عبد الله علي إبراهيم، في عدد من الكتابات أهمها كتب "الشريعة والحداثة" و "بخت الرضا التعليم والاستعمار"، لتفسير تاريخي عام يعتمد نقد التركة الاستعمارية إن كان في مؤسساتها أو في أثرها الثقافي التاريخي. فنظر لاستفحال مسألة الدين والسياسة عندنا كرد فعل على تدخل استعماري سافر قطع عبره التطور العضوي لجدل الدين والحداثة. وأحاله لنوع من الشقاق السرمدي. ونظر كذلك لأحد أهم مؤسسات الاستعمار (بخت الرضا) بوصفه نموذجا لتراكيب استعمارية أيديولوجية ومؤسساتية أرهقت العقل والقلب السوداني وأعيته.
وبالتالي فإن القاريء لعبد الله علي إبراهيم سيرى في الأزمة السودانية الحالية مرحلتيها. وعندما نرى الفترة من منظور تاريخ أوسع ننتقل من الندب للدبارة. أن نتآمر على تكالب التاريخ علينا حتى يستقيم. وبلا جزع. ننتقل من التاريخ الجامد للتاريخ الفلسفي، أي التاريخ المتحرك عبر حقائقه، عبر أرواحه.
لم يؤسس البروف، إذن، حزبا جديدا بعد خروجه من الحزب الشيوعي، لكنه مع ذلك، حافظ على مدرسة في الماركسية السودانية هي أوسع ربما في خطورتها وقربها لنا من الحزب كمكتب بيروقراطي وكادر وبطاقة عضوية. وربما أطلق البروف، بصبره الطويل، يد الشيوعية السودانية من ضيق الحزب إلى رحاب الحركة الاجتماعية، يلتزم الواحد منا فيها كل حسب موقعه وبلا حاجة لمباركة من أحد. اللهم إلا المحبة الصادقة وليس العاطفية، والوفاء الصبور، للكادحين.

